|
2 - 2 الصورة والمتخيل والبناء النمطي:
في هذا السياق يمكن أن نرى في النموذج النقدي الثاني المتمثل في كتاب الباحث المغربي محمد نور الدين أفاية: <<الغرب المتخيل: صورة الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط>>, اضافة معرفية جديدة في مجال مراكمة <<مضامين>> صور الآخر (الغربي تحديدا), وخطوة أكاديمية جليلة في مجال تاريخ النظر العربي للغرباء المختلفين, ومحاولة جدية لفهم جانب من الوعي الإسلامي بالنقيض العقدي. وذلك في مرحلة زمنية محددة, وفي سياق جغرافي خاص, وداخل مجال ثقافي متداخل العناصر والأسس والتجليات. ومن هذا المنظور - بالذات- لا يمكن إلا أن تشكل أطروحة نور الدين أفاية لبنة أساسية في اعادة تشكيل تاريخ الفكر العربي الإسلامي, ومدخلا بارعا لدرس جديد عن تاريخ المثاقفة وأشكال الوعي بالغير. لكن هل يتخذ الكتاب القدر نفسه من الأهمية والخطورة بالنسبة لحجم الاضافة المنهجية لضوابط التشكيل الخطابي لصورة الآخر?. ذلك ما لا يمكن الاطمئنان إليه بشكل تام إذا فحصنا جملة من المنطلقات النظرية للدراسة وبعض خطواتها التحليلية.
ينطلق الكتاب- في البداية- من مفهومين مركزيين في مقاربة أشكال الوعي العربي الاسلامي بـ<<الآخر>> هما: <<الصورة>> و<<المتخيل>>, ومع الاقرار المبدئي للباحث بما يفترضه مفهوم <<الصورة>> من غموض, وانفتاح على دلالات موضوعية متباينة, وما يلتبس به من <<معجم ينفلت من كل تناول عقلاني دقيق>>,(7), فإنه لا يلبث ان يميز بوضوح بين الإنجاز التخييلي المرتبط بأنواع التشكيل اللفظي, والتأليف الأسلوبي, وبين المراجع الموضوعية, ومؤثرات الواقع الخارجي المباشر, وينتهي من ثم إلى خلاصة بديهية ترى أن:
<<ما يثير الانتباه في الاهتمام بموضوعات الصورة, في كل أبعادها وأنماطها وتمظهراتها, هو قدرتها على إرباك التفكير في الوقت الذي لا تبدو فيه وكأنها تحل محل الواقع, أي في الوقت الذي لا تكتفي فيه بالوظيفة الانعكاسية للواقع>>.(8)
وبغض النظر عن كون الاستنتاج هنا لا يقدم معيارا نظريا دقيقا, يفيد في تفسير إجراءات التحول من الوقائع الى التجليات الصورية, ولا يفلح, من ثم, في تبديد الغموض المكتنف لمراحل عملية التشكل والارتقاء التخيليين, فإنه يرسم المعالم المبدئية للنهج الفكري العام الذي يقترحه الباحث لتناول تنويعات <<الآخر>> في التراث الفكري المستمد من المجال العربي الإسلامي الوسيط, بحيث يسهل الربط بعد ذلك بين الدلالات النظرية للصور (المرشحة على الدوام لمفارقة الوقائع والزيغ بالحقائق وتحريفها), وبين فعالية المتخيل الجماعي, في مراكمة الاستيهامات العقدية, والجنسية, والإثنية, بنحو لا ينتهي, كلما تعلق الأمر بمجابهة ما بين الذات (العربية/ المسلمة) والغير الغريب.
لكن ما يسترعي الانتباه في هذا الربط أنه لا يكاد يخضع لتصور نظري خاص بالباحث, عن تداعيات التحول الخاص بصورة الآخر الغريب, التي تفارق بشكل موغل في الغرابة قيم الحقيقة التاريخية والجغرافية والإنسانية المعطاة. بقدر ما ينبني أساسا على اضمامة من التحديدات النظرية المستوحاة من اجتهادات فلسفية وانثروبولوجية غربية (فرنسية في الغالب) عن <<الصور الثقافية>> و<<الصور النمطية>> و<<الصور الأسطورية>>; من مثل تحديدات <<جيلبير ديران Durand>>, و<<جون ويرينبورجر Wurembutger>>, و<<سارتر>>, وخصوصا مقولات الناقد الفرنسي المقارن <<دانييل هنري باجو D.H.Pageaux>>, الذي يمزج بين القيم الإنشائية والإثنية في مقاربة صور الآخر, حيث يقول:
<<تتولد كل الصور عن نوع من الوعي, كيف ما كان مستواه, الذي تكونه الأنا قياسا إلى الآخر, في الهنا قياسا الى الهناك. الصورة هي نتاج الفرق الدال بين واقعين ثقافيين, أو بعبارة أخرى, الصورة هي تمثل لواقع ثقافي أجنبي يتمكن من خلاله الفرد أو الجماعة التي كونته (أو تقاسمته أو نشرته) من كشف وترجمة الفضاء الإيديولوجي الذي تتموضع فيه>>.(9)
ويقر <<أفاية>> بأن تعريف <<باجو>> (المقتبس هنا) يعاني من غموض ظاهر في تحديد المقصود بالصورة, إذ هو - أساسا - تعريف لقاعدة الوعي المؤلف للصورة, وأصلها التكويني, بما هي معلول ذهني/ ثقافي, وليس كيانا كيفيا, أو ماهية تمثيلية, أو نسقا من المكونات الوظيفية. بيد ان الباحث بالرغم من ذلك لا يقدم حدودا تدقق عمومية التعبيرات الواردة في الاقتباس, لذا فان تنبيهه إلى كون مثل هذه التعريفات قد تفتح آفاقا للبحث تعوم الإشكال في مجالات معرفية بعيدة (كـ:<<دراسات علم نفس الشعوب>> و<<السيكو- انثروبولوجيا>>), سيكون محدود التأثير, سيما عندما يتم تطعيم نسق الاستدلال النظري للكتاب في مجمله بإحالات مستمرة على استنتاجات <<باجو>> وتخريجاته, وذلك قبل أن يتم حصر صنف الصور المقصودة بالتحليل في <<الصور النمطية>>.
يقول الباحث: <<سنركز في بحثنا على موضوع الصورة النمطية... (التي) تتضمن مفهوما وعقيدة وأسلوبا أدبيا... فتغدو هذه الصور وكأنها حارسة للذاكرة من تحولات الزمان, الأمر الذي يجعلها متموجة ولكنها حاضرة باستمرار, وديمومتها تعود الى كونها لا تتعرض للطعن في وجودها من طرف الواقع والتجربة المباشرة. فهي توجه تجاربنا بطريقة لا تسمح لنا, أحيانا, بالتساؤل عن الواقع وعن العالم وعن الحقيقة. وقد تتحول هي مع الزمن والتكرار الى حقيقة>>.(10)
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا النص النظري الكثيف دلاليا, هو الاقتران المبدئي للصورة النمطية, في وعي الباحث, بمرتكز <<الموضوع>>, مما يفسر ذلك التحول السريع الذي تتخذه الوحدات الصورية من كونها دلالة على شكل <<مكتمل القيمة الأسلوبية>> على مجرد <<مظهري فكري>> أو <<قيمة ذهنية>> أو <<مضمون معرفي>>; وأن تتخذ بعدا يتصل بالمادة المرجعية, لا بالوسيلة التمثيلية للصورة وكنه تشكلها; وإن كان الباحث يعي هذا البعد الأخير, ويشير إليه تارة- كما في النص الحالي- ب-<<الأسلوب الأدبي>>, وتارة أخرى بمتنوعات مفهومية مختلفة تنتشر في مجمل فقرات الفصول التطبيقية للكتاب من مثل تعبيرات:: <<البلاغة>> و<<الوعي اللغوي>> و<<التمثيل>> و<<أسلوب التخييل>>, و<<مراتب الصور وأنماطها>>..., والتي تظل أسيرة الاستعمال السياقي المؤقت, ولا تخضع لاستراتيجية استدلالية كلية, تحولها الى معايير للقراءة وإلى حدود لضبط التشكل الخطابي.
إننا نفترض أن مبحث الصورة الذي يشغل الباحث يأتلف بشدة مع القصد الفلسفي الذي تكتنزه مقولة <<الصورة الذهنية>> الشائعة في حقول المنطق والنفس والظاهراتية, من حيث كونها قيمة تجريدية تجمع بين الإدراك والذاكرة والخيال, وتحقق التكامل البديهي في هيئة موضوعات ومراجع فكرية محددة(11). لكننا نزعم مع ذلك ان للصور الذهنية مظهرا انجازيا, وأنها حين تصنف, ويحدد لها وصف معياري من قبيل <<النمطية>> فذلك يصبح مدعاة لإعمال الفكر, ليس فقط في القيمة الموضوعية الحاضرة على جهة الضرورة, بل أيضا في الآلة المصاحبة لتشخص تلك القيمة, عبر المستويات الخطابية والنصية المنتجة لها. ولتوضيح الفكرة أكثر يمكن مثلا أن نرى في الباب الأول الذي يفرده الباحث ل-<<مرجعيات النظر العربي الإسلامي للآخر>> دليلا على طبيعة التحليل المنصب على المضامين الصورية, وعلى القيم التجريدية المحددة, دون التكوين الخطابي, وبذا يصير النظر النقدي منصبا على تحديد القيم ضمن وحدات موضوعية وفكرية محددة: ك-<<الدين>> و<<المقدس>> و<<الرمز>>, بوصفها أسسا لتشكل صور الآخر في الخطاب القرآني مثلا; ومن ثم فان أي فعالية للصور في هذا السياق المعرفي المحدد لا يمكن أن تزيغ عن تلك الأسس التي تحكم علاقات التنويع والابدال النصيين, ويسهل بعد ذلك الخلوص الى نتائج تصنيفية للتنويعات والابدالات بحسب تدرجها في سلم القيم الدينية والقدسية والرمزية المجردة, حيث يراوح الآخر بين: <<اليهود والنصارى>> و<<أهل الكتاب>> و<<المخلفون>> و<<المنافقون>> و<<الكفار>> و<<الذميون>> و<<الإفرنج>> و<<الصليبيون>>... وتراوح صورهم بين سمات: <<التخطيطية>> و<<الفقر>> و<<السذاجة>>..
والحاصل ان الصور يمكن ان تشتمل على قيم عقدية عرقية وثقافية, وأن تكرس ارادة الاستبعاد والانحياز الخطابيين, بأقصى تمظهراتها, في الآن نفسه الذي لا تتحول فيه, إجرائيا, الى مجرد سمات أو مراتب موضوعية, ففي عملية التمثيل المنحاز تبرز شتى وظائف الأسلوب في <<الإيهام>> و<<التكييف>> و<<التحريف>> و<<النقل>> و<<التزيين البلاغي>>, بنحو يجعل الحدود التكوينية ذات أهمية مركزية توازي- إن لم تفق- في خطورتها عملية استخلاص المراجع المحددة للرؤية القومية الخاصة. وهو ما سيغيب, إلى حد كبير, في تناول الكتاب لمسارات التحول في تجليات النظر الإسلامي للآخر, وتنامي الصور النمطية المكرسة عن الغرب; بدءا بالنص القرآني (الفصل الأول والثاني والثالث), وانتهاء بالخطاب الخلدوني (الفصل الثالث عشر/ الأخير) مرورا بالاجتهادات الفكرية المواكبة لمرحلة الفتوح (الفصل الرابع), فالسجال الكلامي من خلال أحد رواده البارزين: الجاحظ (الفصل الخامس), مرورا بالظاهرة الصليبية والاندفاعة الجهادية وما رافقها من تراجم, وسير, وتواريخ, ورحلات, تستدعي الآخر, وتمثل عقيدته, وترسم حدودا لكيانه الثقافي/ الجغرافي/ العرقي/ الديني (الفصول من السادس الى الثاني عشر).
هكذا يرصد الباحث تطور النظرة للآخر, في فصول الكتاب وأبوابه, من خلال اضمامة من النصوص والتصانيف الدينية, والفقهية, والكلامية, والترجمية, والجغرافية, المختلفة الأنساق الاستدلالية والخصائص البلاغية... بمعنى آخر انه يقوم باستخلاص أساس رؤيوي لصورة نمطية <<متجانسة>> من رصيد نوعي وخطابي غير متجانس, ومتباين المرتكزات التأليفية. لكن في هذه اللحظة, التي يطمئن فيها الباحث إلى إمكانية استخلاص صورة كلية من التعدد الخطابي, وايجادة وحدة رؤيوية متكاملة الحدود من التفريعات المعرفية وتنويعات النشاط الفكري العربي الاسلامي, ينبثق سؤال مركزي, في ذهن المتلقي, عن مدى مشروعية عمل توفيقي من هذا النوع: فهل يمكن فعلا الحديث, بإطلاق نظري, عن صورة نمطية (كلية/ موحدة) تتطور وتتشظى, في آن, الى عشرات التكوينات الصنفية, وتمتد عبر مستويات مختلفة من التعابير والتآليف النوعية والنصية والبلاغية?
إننا نعتقد أن أي حديث عن <<صورة نمطية كلية>> يظل ممكنا على سبيل التجريد المجازي, الذي يجب أن يستكمل بإيجاد أصول مرجعية فرعية, تتمثل في عينات الصور النمطية <<الجزئية>>, المتحققة في كل نوع تعبيري على حدة, وفي كل نمط من أنماط الخطاب. وهو الإجراء القاعدي (والتقعيدي) الأساس لإضفاء الشرعية على كل حديث عن التشكلات الصورية الكبرى, التي تتخطى الفوارق الخطابية وتتوجها. أما إذا تم التجاوز عن هذا الإجراء فان أي مجهود نظري يبذل بصدد الصور النمطية الكلية سيفتقد الى العمق المنهجي الضابط لمسارات الانتظام والتشكل الصوريين.
ولذا نزعم أن الاجتهاد التحليلي الضخم الذي بذله الباحث في تتبع مسارات تحول (وتنامي) صورة الغرب في المتخيل العربي الاسلامي الوسيط, لا يلبث أن يفقد الكثير من إشعاعه بمجرد أن يجد القارئ نفسه في نهاية المطاف أمام تعميم فكري يطمس تضاريس الأسلوب النوعي ويتخطى الفوارق بين الأصناف المتناولة من: قرآن, وحديث, وسجال كلامي, وسير, وسرود مختلفة. صحيح أن الباحث يفرد كل نوع من هذه الأنواع الخطابية بحيز تحليلي بارز, ينم عن وعي عميق بطبيعة الخطاب وجنسه الأدبي, إلا أن الاسئلة التي تروده في مقاربة الصور تظل رهينة البحث عن الصيغة الموحدة للنظرة, ومدى مطابقتها او مفارقتها للحقيقة الواقعية, فمثلا في الفصل المخصص لكتاب <<الاعتبار>> لأسامة بن منقذ, يقر الباحث بخصوصية النص (السير ذاتي) من حيث كونه ينتمي ل-<<فن في الكتابة>>.(12), حظي بمكانة إشكالية في السياق العربي الاسلامي, واتخذ تجليات شعرية ونثرية شتى, ساهم في صياغة تعددها علماء وفلاسفة ومتصوفة وفقهاء وساسة على امتداد حيز غير يسير من الزمن الثقافي; بحيث يمكن الحديث عن جنس أدبي قائم بذاته, ويتوفر على رصيد من النصوص الوافرة تمكن المحلل من استخلاص سمات ومكونات خاصة لصوره السردية. وهكذا فالمفترض أن أي تحليل لصورة الآخر في نص كتاب <<الاعتبار>> يجب أن يترجم التقليد اللغوي الحاضن, والامكانيات السردية الخاصة بالجنس التعبيري (السيرة الذاتية), ويصير المحلل ملزما- من ثم- بالانصياع لضوابط هذا الجنس في التأليف والتكييف البلاغيين لصور الذوات الفردية والجماعية, وفي ترجمة السمات الجمالية الخاصة بصور الوقائع والأفكار. إلا أن <<أفاية>> يختار منطلقا آخر حين يعرض لتحليل صور الآخر في كتاب <<الاعتبار>> يضمنه السؤال الآتي:
<<كيف يمكن الحديث عن الذات داخل مناخ ثقافي يعلي من شأن الجماعة ويعطي الأسبقية للكل على الجزء? هل تسعف الكتابة السير ذاتية على استجلاء صور الآخر في تجسيداته الواقعية أم أنها ترزح تحت ضغط المسبقات والأحكام المتخيلة والقبلية?>>.(13)
انطلاقا من سؤال من هذا النوع, (يتأسس على الانشغال المضموني), كان من الطبيعي أن ينتهي الباحث الى نتيجة ترى أن:
<<الصور التي صاغها حكي اسامة تكثف انطباعات واقع تميزت بحرارة ووهج روائيين لافتين, وبشحنة انفعالية اختزنت كثيرا من التبرم وقدرا كبيرا من الشتيمة, واللعنة, بدون أن يعني ذلك تعصبا أو رفضا للآخر>>.(14)
وما بين السؤال وجوابه لا ينشغل الباحث بإبراز فعالية الوظائف التعبيرية الخاصة بجنس السيرة في ترجمة <<الشتيمة>> و<<اللعنة>> , <<من غير تعصب>>, بل هيمن المنظور التصنيفي الذي يتوخى تحديد طبيعة صورة الآخر: هل هي واقعية أم يغلب عليها الاستيهام?. والحق أننا نعتقد ان المنطلق التصنيفي (التقويمي) غير سليم من أساسه, بغض النظر عن كونه ذا رهان مضموني أو أسلوبي, فمدارات الصور التي يستثيرها الواقع هي مدارات ذات كنه إنساني تصوغه اللغة وتسربله صناعة الأسلوب, ومهما تكن المنطلقات الاجتماعية والنفسية والثقافية حاضرة, في مساحات الصور, فان ماهيتها تصير من صميم التخييل, حصيلة لفعالية المخيلة في ترجمة الخبرات الحسية والحدسية الى امكانيات جمالية متميزة باستقلالها اللفظي وفعاليتها التأثيرية. وهي بداهة لم تعد قابلة للارتياب (عند الحديث عن الخطاب السير ذاتي او عن مطلق الخطاب الأدبي المتصل بالتاريخ), بعد كشوفات <<فرويد>> و<<نيتشه>>, وتبلور التفسير النقدي الحديث للمعرفة. إن السيرة الذاتية تاريخ صاغته اللغة وكيفه سياق الجنس التعبيري الخاص وأخضع صياغته لصورة الآخر لطريقته السردية المميزة التي لا يمكن بحال من الأحوال اختزالها الى مجرد <<وهج روائي>> أو <<شحنة انفعالية>>. ومن هنا فلا يمكن أن نرى في ضابط <<الجنس السير ذاتي>> وسيطا محايدا لترجمة الموضوع الغيري في صورة, بل وسيلة ابداعية بليغة تختلف آلياتها التشكيلية والتأثيرية عن آليات الرواية والحكاية العجيبة والمقامة والرسالة الفلسفية... وتشكل صورة تمثيلية لقيم جمالية وموضوعية في بيئة وعصر محددين, وهي ليست معلولا لهما فقط.
تبعا لكل ذلك يمكن القول إن اجتهاد الباحث المغربي محمد نور الدين أفاية تمثل في استخلاص الموضوعات الغيرية, وتصنيفها, واستخلاص مرجعياتها الذهنية الخفية, ونقد نظرتها الخاطئة والمنحازة, ولم يكن هدفه بيان تشكيلات صور الآخر ومكوناتها الخطابية; وهو اجتهاد مشروع في العمق, وأدى الى نتائج ذات أهمية تاريخية وفلسفية على قدر كبير من الأهمية, بيد أنه حرم الكتاب من اضافة منهجية حاسمة في نهج دراسات الصور, تتمثل في استخلاص معايير التأليف الخطابي للصور الجزئية في الأنواع أولا ثم في النصوص ثانيا, وايجاد تصور راجح عما يمكن أن يشكل معايير بلاغة التمثيل العربي الاسلامي للآخر في العصر الوسيط.
3 - تركيب:
من خلال كل ما سبق يمكن الانتهاء الى أن المحاولتين النقديتين للباحثين المغربيين: <<فريد الزاهي>> و<<محمد نورالدين أفاية>>, بصدد معيار <<الصورة>>, في علاقته بمفاهيم <<الجسد>> و<<المقدس>> و<<الآخر>>, وفي جدله مع حدود: <<اللغة و<<النوع>> و<<البناء النصي>>, وتمثيله المختلف والمتعدد للوعي الجماعي والمتخيل الثقافي, قد أثبتا ضمنيا عبر خطوات التحليل المتباينة, ان الصورة امكانية ذهنية لا تفتقد الى مضمون واقعي أو متخيل, حسي أو تجريدي, وهو المضمون المستند الى خبرة وحدس معرفيين أو ان تجليه في هيئات فنية وخطابية شتى, وهي المحصلة المركزية التي تفضي بنا الى استيعاب الكون الصوري بوصفه معلولا ذهنيا منفتحا, وليس مجرد ماهية موضوعية, بل وباعتباره بناء كيفيا مميزا, وتشكلا نوعيا دالا, ومعيارا رؤيويا راجحا في استبطان الخطابات المعرفية والجمالية. فالموضوعات والأفكار والوظائف يمكن أن تتكرر, بيد أن الصورة التي تؤلف بين هذه المكونات جميعا في وضعية أسلوبية فريدة لا يمكن أن تنجز إلا مرة واحدة, وفي سياق واحد, عاكسة ثراء ممتدا من الرؤى والدلالات. وبناء عليه فإنه اذا كانت للصورة مثيلات توظف تلك المكونات ذاتها في سياقات نصية مغايرة فان الآصرة التي ستجمع بين الصور, في هذه الحال, لن تكون آصرة التطابق, وليدة التكرار, وإنما ستكون آصرة التجانس قرينة الانتماء الى سياق <<نوعي>> مخصوص, تتوسل فيه الصور بنفس وسائل التبليغ والتشكيل, وتترجم فيه قيما موحدة لمتخيل ثقافي فريد. هذه هي الخلاصة العامة التي تمدنا بها القراءة التركيبية للمؤلفين معا وهي الخلاصة التي تثري مراحل تحصيلها بكشوف ذهنية عذبة, وقلق وحيرة محببتين.
الهوامش
1 - صدر عن: دار إفريقيا الشرق, الدار البيضاء 2000.
2 - صدر عن : المركز الثقافي العربي, بيروت/ البيضاء, 2000.
3 - نفسه: ص146.
4 - نفسه, ص22-23.
5 - نفسه, ص87.
6 - نفسه, 87.
7 - نفسه, ص19.
8 - نفسه, ص19.
9 - نفسه, ص20.
01 - نفسه, ص21.
11 - لمزيد من التفاصيل بصدد مفهوم <<الصورة الذهنية>>, راجع:
- شرف الدين ماجدولين, بيان شهرزاد, التشكلات النوعية لصور الليالي, المركز الثقافي العربي, بيروت/ البيضاء, 2001, ص14 وما بعدها.
12 - الغرب المتخيل, ص209.
13 - نفسه, ص210.
14 - نفسه, ص234- 235. |