صوّر الله عز وجلّ في القرآن الكريم للمؤمنين من إنس وجان ذكوراً وإناثاً وهم في نشء زوج الحياة الدنيا عن نعيم الجنّة بقوله تعالى " إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ "(55) يس ، وقوله تعالى " مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ "(51) ص ، ثم بين الله عز وجلّ أن ذلك النعيم يشمل الأنفس وأزواجها التي من ماهيّة نشء الدار الآخرة في قوله تعالى " هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ "(56) يس ، لسبب أن الأنفس وأجسادها في نشء الجنّة منفصلون في القرار والتكليف وإن اجتمعوا في تشكيل خلق واحد ، وقوله تعالى " هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ " ، بمعنى أنفس المؤمنين وأجسادهم التي هم عليها في نشء زوج الجنّة ، كذلك فإن نشء زوج الجنّة موحد بين الإنس والجان ، وبين الذكر والأنثى دون فارق بين ماهيّة أو هيئة ، وأن آخر ما ذكر في القرآن الكريم عن نشء الناس على هيئة الذكر والأنثى ينتهي عند زلزلة الساعة لحظة أن يضرب الله عز وجلّ بسور بين المؤمنين والمؤمنات ، وبين المشركين والمشركات ، كما نود أن نذكر أن السبب الوحيد الذي من أجله خلق الله عز وجلّ الناس من إنس وجان في الحياة الدنيا على هيئة الذكر والأنثى إنما لخدمة تكاثرهم وازديادهم في مثل نشئهم الدنيوي ، وأن السبب من اختلاف ماهيّته الناس بين إنس وجان في نشء الحياة الدنيا إنما ليخدم قيام البغضاء والغلّ بينهم الذي ينتج عنه اختبارهم ، لذا نستنتج أن نشء زوج الجنّة ليس به تكاثر أو جماع أو نجس أو إخراج ... الخ ، وليس به خاصيّة الغلّ والبغضاء لقوله تعالى : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ "(47) الحجر ، كما لم يشر في القرآن الكريم إلي نشء الجنّة على أنه من خلق الناس .
تُصور الآيات الكريمة التالية للمؤمنين من إنس وجان ، ذكوراً وإناثاً عن نعيم الجنّة ورغد العيش فيها جزاء لإحسانهم في حياتهم الدنيا بقوله تعالى " كُلُوا وَاشْرَبُوا ( وأنتم في نشء الجنّة - دون تمييز بين إنس أو جان ، ذكر أو أنثى ساعة أن كانوا في نشء الحياة الدنيا ) هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "(19) الطور ، أو كقوله تعالى " مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ ( أنفس المؤمنين في زوج الجنّة - دون تمييز بين إنس أو جان ، ذكر أو أنثى ساعة أن كانوا في نشء الحياة الدنيا ) بِحُورٍ عِينٍ "(20) الطور ، أو كقوله تعالى " وَأَمْدَدْنَاهُمْ ( أنفس المؤمنين في نشء الجنّة - دون تمييز بين إنس أو جان ، ذكر أو أنثى ساعة أن كانوا في نشء الحياة الدنيا ) بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ "(22) الطور ، أو كقوله تعالى " وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ( وهم في نشء الجنّة - دون تمييز بين إنس أو جان ، ذكر أو أنثى ساعة أن كانوا في نشء الحياة الدنيا ) غِلْمَانٌ ( خدم المؤمنين في الجنّة ) لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ "(24) الطور .
بَين الله عز وجلّ في الآيات الكريمة نعيم الجنّة الذي يشمل الأنفس المؤمنة بالإضافة إلى أجسادها التي تمثلت لها كأزواج ، كما بيّن جلّ شأنه أن لا تفاوت في درجات الثواب أو العقاب عند الله عز وجلّ بين نفس وأخرى نسبةً إلى ما كانت عليه من ماهيّة أو هيئة في نشئ الحياة الدنيا ، إنما تقاس درجة سعادتها أو شقائها بدرجة إيمانها .
من الآيات الكريمة التي تصور للناس وهم في نشء الحياة الدنيا عن نعيم الجنّة قوله تعالى " مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ "(54) الرحمن ، لبيان صورة جمالية أخرى يَظهر من خلالها هون العيش ويسره في حياة الآخرة الذي يخلو من المشقة على نقيض من عيش الناس في الحياة الدنيا ، وقوله تعالى " مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ( المؤمنين في نشء الجنّة - دون تمييز بين إنس أو جان ، ذكر أو أنثى ساعة أن كانوا في نشء الحياة الدنيا ) لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا "(13) الإنسان ، كقوله تعالى " فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ "(70) الرحمن ، لبيان درجة النعيم ، ثم يبين الله عز وجلّ سبب ذلك النعيم بقوله تعالى " هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ "(60) الرحمن ، بمعنى أن ثواب الله عز وجلّ للأنفس المؤمنة بتلك الدرجة الرفيعة في نشء الجنّة ، إنما جزاء لإحسانها على صلاحها ساعة أن كانت في نشء زوج في الحياة الدنيا .
" وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ( على المؤمنين في نشء الجنّة - دون تمييز بين إنس أو جان ، ذكر أو أنثى ساعة أن كانوا في نشء الحياة الدنيا ) وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ( خدم الجنّة ) (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ( صورة جماليّة عن المؤمنين في نشء الجنّة - دون تمييز بين إنس أو جان ، ذكر أو أنثى ساعة أن كانوا في نشء الحياة الدنيا ) وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا "(21) الإنسان .
بينت الآيات الكريمة السابقة صوراً مختلفة عن هناء وسعادة الأنفس المؤمنة في حياة الجنّة ، كما بينت أن الله عز وجلّ كلف للأنفس المؤمنة ولأزواجها التي ستكون عليها في نشء الجنّة خلقاً آخر من عباده المسخرين لخدمتهم ، وبالمثل صور الله عز وجلّ ذلك الخلق بأجمل ما يمكن أن يدركه بشر من المحاسن في قوله تعالى " إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا " إلى بقية الآيات الكريمة .
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُون : الأنفس المؤمنة أزواجها في الجنّة - من إنس وجان ، ذكورا وإناثاً وهم في نشء زوج الحياة الدنيا .
الْمُتَّقِين : المؤمنين من إنس وجان ، ذكورا وإناثاً وهم في نشء زوج الحياة الدنيا .
" وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ "(46) الرحمن .
مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه : المؤمنين من إنس وجان ، ذكورا وإناثاً وهم في نشء زوج الحياة الدنيا .
بيّنت الآيات الكريمة السابقة صوراً جمالية مختلفة عن نعيم الأنفس المؤمنة في الجنّة دون تمييز بين هيئتها أو ماهيتها التي كانت عليها في نشء الحياة الدنيا شرط أن تكون مؤمنة ( من إنس أو جان ذكراً أو أنثى ) ، وبالمثل نستنتج أن أحداث نعيم الجنّة وردت جميعها بحال الحاضر المستمر كقوله تعالى " كُلُوا وَاشْرَبُوا "، و " مُتَّكِئِينَ " ، و " يَطُوفُ عَلَيْهِمْ " ، و " لا يَرَوْنَ فِيهَا " ، فجميعها تُشير لحدث من الحاضر المستمر ولم ترد كخبر عن المستقبل ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الزمان والمكان يحكمان النشء المادي في الوجود الدنيوي القائم الآن وفي نشء الدار الآخرة ، لكنهما لا يَحكمان السماء العُلا ، لذا فالخبر الوارد في الآيات الكريمة عن نعيم الجنّة سببه أنه نشء مادي كنش الحياة الدنيا ، وبالمثل نلاحظ أن الخبر عن الجنّة يتطابق وعلم الملائكة عن أفعال الناس في الأرض من قبل نشئهم لقوله تعالى " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ "(30) البقرة ، لسبب أن الزمان والمكان لا يحكمان الله عز وجلّ ، كما أنهما لا يحكمان نشء السماء العُلا التي يختلف غيبها عن غيب الوجود المادي المؤقت المتمثل في نشء الحياة الدنيا أو الدار الآخرة ، لذا فغيب النشء المادي لا يخص إلا نشء الأرض وكذلك الدار الآخرة بمن يعيش عليهما لسبب أنه مرتبط في نشئه بماهيتهما .
يمنع منعا باتا وضع
اي برامج او محتويات او اي مواد الكترونية تستخدم الكراك او الارقام
التسلسلية ( سيريال) المسروقة، او البرامج المقرصنة، كما يمنع وضع اي
افلام او مواد ملتميديا او اي مواد اخرى ذات حقوق نشر او ملكية فكرية
بدون موافقة صاحبها أو اذن مباشر منه