بالضبط عند هذه النقطه من الدعاء ، كثيراً ما أسرح بذهني بعيداً عن صفّ المصلين الذي اقف فيه لأتذكر ذلــكـ الشـاب ...
لم أره منذ مدة ، ربما أكثر من عشر سنوات.
كان آخر لقاء لنا على مقاعد الدراسة ، وبعدها فرقتنا مشاغل الحياة وسنين دراسة أخرى طويلة .
ثم انقطعت عني اخباره ، حيث أنه خرج ليواصل دراسته الجامعيه خارج البـلاد.
كان صاحب عقل مُتقد ، وذهن صاف ، فأتم دراسته بتفوق ثم عاد ليعمل في إحدى المؤسسات المعروفة.
سمعت بعودة صاحبنا .. فذهبت إلى مكان عمله لأراه ، عّلنا نجددّ عهوداً ماضية ، ولأعرف أخباره . وعندما التقت الوجوه ابتسم كل منا لصاحبه ابتسامه عريضة ;
وكان عٍناقً وضحٍـكـ ..
ثم قلت له :
لقد نحفت يا عبدالله !
فقال لي مازحاً
وماذا كنت من قبل حتى أنحف أكثر ؟!
ثم ضحكنا .
هوَ عبدالله الذي أعرف ، بروحه المرحهة وابتسامته العريضة ، ونظارتهٍ السميكه التي تُطلَ من خلالها عيناه الذكيتان .
قلت له مداعباً :
ألم تتزوج بعد أيها العجوز ؟
فردّ عليّ :
بل أبشرك أني قد عقدت على بنت الحلال ، وأنا على وشك أن أنتهي من تأثيث الشقه ، ولم يبق سوى تركيب المكيفات وبعض الكماليات الآخرى ، لزوم الفرح كما تعرف !
ففرحت وباركـت له وأنا أقول :
لا تنس أن تدعونا لوليمة عرسك إذن .
ثم إنني أخذت منه موعداً على أن يزورني في بيتي حتى نجلس سوياً ويعرف كلٌ منا أخبار صاحبه ، وأعطاني رقم هاتفه .
حصلت ظروف طارئة منعتني من رؤية عبدالله في الموعد المحدد ، فكلمته بالهاتف لنؤجل موعدنا إلى وقت آخر ، فرحب بذلكـ. وكانت ظروف عمله هو الآخر غير مواتية ، فكانت تستلزم أن يسافر بسيارته من منطقة إلى منطقة أخرى بين الفينة والآخرى .
وفي أحد الأيام عنّت له سفرة إلى إحدى المناطق القريبة ، فلَملمَ حاجياته وانطلق بسيارته.
كنّا قد انتهينا للتو من صلاة المغرب ، فسندت ظهري إلى المتّكأ وأنا أردّد الأذكار ، وبقيت على تلكـ الحال برهة من الزمن ; ثم أحسست بهاتفي المحمول يهتز داخل جيب الثوب.
أخرجته ونظرت إلى المتصل فإذا هو أحد الأصحاب ممن لم أرهم منذ فترة.
رفعت الهاتف إلى أذني مسلماً على صاحبي ، فسلم ورحبّ بي على عجل على غير العادة ، ثم قال بنبرةٍ جادّة
تعرف الأخ عبدالله ؟!
انقبض قلبي وأنا أقول
خيـراً إن شاء الله ، ماذا أصابه ؟!!
الأخ توفي اليوم ...
... كـيــــــــــــــــــــف ؟!!!!
أقول توفي الأخ في حادث ...
حادث سيارة ، وسيُصَلى عليه اليوم بعد العشاء في الجامع ..
اغلقت الهاتف وقد انعقد لساني من فرط المفاجأه ، لم أكن مصدقاً ولم أستطع أن أصدق ; ولذا فقد عزمت أن أخرج فوراً وأتأكد من الأمر بنفسي.
زحامٌ شديد عند الجامع ، وأناسٌ من جنسيات مختلفه ، وكثير من زملاء عبدالله في العمل موجودون هنا.
وقفّ أبو عبدالله يستقبل جموع المعزين وهوَ يحاول أن يخفي اضطراباً وألماً دفيناً. جائت ( مايقولُ النّاس ) أنها جثةَ عبدالله محمولةَ على الأكتاف.
صليّنا على عبدالله ، ولكنني لم أزل غير متيقن تماماً بأنه قد رحل ;
ربما كان في غيبوبة وظنّوه ميتــاً !!!
هذا يَحُصل ، أليس كذلكـ ؟!
انطلقتُ أسابق الريح بسيارتي إلى المقبرة ، أريد أن أرى عبدالله قبل أن يُدفن ;
هل مات فعلاً ؟!
وضعوه على الأرض ملفوفاً بكفنه ، اقتربت منه وأخذت أتفحّصُه وأتسائل هل من بداخل الكيس هو عبدالله حقاً ؟!
وأخذ دماغي يثور بالأسئلة . .
ولكن يا عبدالله لقد تخَرّجت من الجامعة لتّوك ، ولا يزالُ أمامك الكثير من الأعمال لتقوم بها !
نجاحاتً كثيرة تنتظر منك أن تحققها ..
وفتاة أحـلامـك هناكَ نتظرك ..
والشقة التي أكملت تأثيثها ..
والمكيّفات ..
و .. و .. موعِِدُنا !!
هل تسمعني يا عبدالله ؟
هذه المرة الأولى التي أجيءُ فيها المقبرة ليلاً.
مصابيح إنارةٍ هنا وهناك ، بعضها يرسل شعاعاً قوياً متوهجاً ، وبعضها يرسل شعاعاً كئيباً باهتاً.
بالنسبه للميت ، ليس هناك فرق بين الليل والنهار ، فالحفرة مظلمة في كل وقت إلا من نُوّرَ عليه قبـره.
يمنع منعا باتا وضع
اي برامج او محتويات او اي مواد الكترونية تستخدم الكراك او الارقام
التسلسلية ( سيريال) المسروقة، او البرامج المقرصنة، كما يمنع وضع اي
افلام او مواد ملتميديا او اي مواد اخرى ذات حقوق نشر او ملكية فكرية
بدون موافقة صاحبها أو اذن مباشر منه