|
مأساة أم!
مأساة أم!
استدعت الأم التي تجاوز عمرها الستين ربيعاً أبناءها الأربعة وقالت لهم وهي منكسرة ودموعها تسيل علي خديها مثل زخَّات المطر في يوم شتاء ضبابي: لقد قضيت عمري كله من أجلكم.. رفضت الزواج من بعد وفاة أبيكم وأنتم صغاراً لخوفي عليكم من قسوة زوج الأم.. أنفقت علي تعليمكم وتربيتكم كل ما أستطيع علي حساب راحتي وسعادتي، أمضيت سنين شبابي في خدمتكم. وبعد أن كبرتم وتزوجتم وأصبحتم آباءً وأمهات، تتخلون عني واحداً تلو الآخر لتتركونني وحيدة أعاني العجز والمرض.. ليتني أموت فأستريح من عقوقكم وتستريحون أنتم من وجودي!
قصة هذه الأم ليست الوحيدة أو الفريدة في عالمنا المليء بقصص الجحود والعقوق بالوالدين، فكم من أبناء ألهتهم الحياة عن رعاية آبائهم وأمهاتهم بعد أن بلغوا الكبر فتركوهم يعانون الوحدة والمرض والعذاب النفسي، غير عابئين بجزاء ما يفعلون يوم لا ينفع مال ولا بنون.
فهذه الأم التي ضحت بشبابها وسعادتها لتوفر لأبنائها الحياة المناسبة، وكانت تفتح بيتها لهم ولأزواجهم وأبنائهم لسنوات عديدة، تستقبلهم بالحب والحنان والكرم العربي المعروف وتغدق علي أبنائهم من الهدايا والأموال مما يتبقي من معاش زوجها، لم تعد - بعد أن تجاوزت الستين من عمرها- قادرة علي الحياة وحيدة، خاصة مع ما تعانيه من بعض الأمراض التي يمكن أن تودي بحياتها لو لم تلق الرعاية المناسبة وفي الوقت المناسب.
ذهبت الأم للإقامة مع إحدي بناتها وسارت الأمور علي ما يرام لسنوات ولكن الأحفاد كبروا وبدأت مضايقات بعضهم لهذه الجدة لدرجة التطاول، في ظل صمت أبيهم وتغاضي أمهم، مما جعل هذه السيدة تشعر بأنه غير مرغوب فيها فقررت الانتقال للعيش مع ابنتها الأخري التي رحبت بها في البداية كالعادة وما أن مضت بضعة أسابيع حتي بدأت المضايقات من الزوج والإبنة والأولاد فقررت الأم مرة أخري الانتقال للحياة مع ابنها الوحيد، وهو شاب طيب وحنون وكريم ولكن المشكلة أنه وزوجته يعملان ويقضيان معظم اليوم خارج المنزل، غير الشعور بعدم الارتياح الذي تبديه زوجة الإبن تجاهها.
أين أذهب؟ .. سؤال وجهته الأم العجوز لأبنائها الجاحدين وانتظرت منهم إجابة تريحها وتريحهم، وكانت المفاجأة أن بعضهم اقترح عليها العودة للإقامة في شقتها القديمة، وأنهم سيمرون بين وقت وآخر لزيارتها والاطمئنان عليها. قالت لهم ودموعها تتساقط من عينيها: أتقبلون بعد هذا العمر وفي ظل مرضي أن أعيش وحيدة؟ تحملتكم سنوات عمري كله ولا تصبرون علي تحملي البقية الباقية من عمري؟ ثم دعت أمامهم بأن يعجل الله بوفاتها حتي تستريح ويستريحوا منها.
وظاهرة عقوق أحد الوالدين أو كليهما موجودة للأسف في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، رغم المكانة الكبيرة التي وضع فيها الإسلام الوالدين وهي المرتبة التالية لعبادته سبحانه فقال: (وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) الإسراء 23، 24. وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث والرّجلة) "رواه النسائي والحاكم".
والخطأ الجسيم الذي يقع فيه كثير من الناس هو أنهم بعقوقهم لوالديهم يعطون المثل السيء لأبنائهم الذين يشبون علي إنكار فضل الوالدين عليهم، بل وربما يسيئون معاملتهما عند الكبر مثلما كانا يفعلان ذلك مع والديهما. وأذكر واقعة فريدة سمعتها بنفسي من أحد الأشخاص الذي كان شاهداً عليها وهي أنه بينما هو ذاهب إلي حقله في إحدي قري مصر، شاهد ابناً يشهر السلاح في وجه والده إثر مشاجرة بينهما. فاسترجع الرجل ذاكرته للوراء عشرين سنة حيث شهد بنفسه هذا الأب عندما كان شاباً في عمر ابنه وقد أشهر نفس السلاح وفي ذات المكان في وجه والده!
اللهم ارزقنا طاعة والديْنا بعد طاعتك، وبرَّهما والإحسان إليهما كما أوصيتنا في كتابك وسنة نبيك عليه أفضل الصلاة والسلام.
|